mohannadbari

يجب الدفاع عن العلمانية

في محاضرة التاريخ الاسلامي في الجامعة، فُتح  النقاش حول العلمانية. وقام أحد الطلبة الملتحين مردداً التعريف الشائع للعلمانية ” فصل الدين عن الحياة والمجتمع”، موضحاً أنها تتناقض بالضرورة مع الطبيعة الإنسانية، وحاجات المجتمع. وقد بدا التعريف لائقا ومقبولاً لدى أغلب الحاضرين، وكأنه الكلام الفصل! من هنا على وجه الخصوص كانت الضرورة لكتابة هذه المقالة؛ يجب الدفاع عن العلمانية.

إن التعريف الذي يدور حول فصل الدين عن الحياة هو تعريف مضلل. العلمانيون وحتى اللادينيين منهم، يدركون أن هذا النوع من الفصل غير وارد وغير ممكن، على الأقل في الافق المنظور من التاريخ البشري. وبالأساس من الذي يستطيع فصل الغيب والأسطورة وتلك التقاليد والعادات الموروثة عن حياة الناس في الحاضر؟

خلقت العلمانية عالماً يتسع للجميع، وأرست أساس الاحترام بين البشر بغض النظر عن الموروثات الثقافية السابقة ضمن الدولة الوطنية. بدولتهم الحديثة جعل العلمانيون المناسبات الدينية والطائفية، احتفالات وطنية لجميع المواطنين، حيث كفّت هذه المناسبات عن أن تثير حقد جماعة على أخرى، وصار المجموع الوطني يحيي هذه المناسبة كذكرى وطني جامعة (عيد رأس السنة الميلادية على سبيل المثال). العلمانية خطت بالعالم إلى الأمام بأن جعلت من المؤمن وغير المؤمن، انسانا يستحق أن يحيا الحياة التي يستحق.

تصاحب تأسيس الدولة الوطنية الحديثة، مع عمليات إنتاج جديدة للتاريخ انطلاقاً من نقطة بداية في الزمن، وذلك بهدف تجذير حضور الدولة وجعلها تبدو وكأنها كانت في الماضي كما هي الآن. آلية في الكتابة أعادت رسم حدود الجماعات المختلفة وكأنها جماعة واحد، مركزة على فترات التضامن بين الجماعات المختلفة، في الوقت الذي بترت فيه أحداث الصراعات واختصرتها. فإن كانت أعمدة القومية أسطورية الطابع ومتخيلة الأسس، فهي بالنهاية وظفت لتجتاز صراعات الماضي وتخلق الانسجام في الحاضر. “بعد انهيار الامبراطورية العثمانية اتضح لمواطني تركيا الحديثة أنهم في الحقيقة بيض آريون وأن أباءهم كانوا السامريين والحثيين…واعتبر مواطنو اليونان المعاصرة أنفسهم من نسل سقراط والاسكندر الأكبر، أو في رواية مقابلة وبديلة، اعتبروا أنفسهم الورثة الرسميين للامبراطورية البيزنطية!”(1). اليوناني اليوم يعرّف نفسه على أنه يوناني الانتماء، لا مسيحي ولا وثني، حتى وإن كانت ديناته التي يعتنقها بشدة هي المسيحية.

يفترض المدافعون عن الدولة الدينية أن الدين هو الأساس الأصلح لتقسيم الناس وتصنيفهم،  فهذا مسلم وذاك غير مسلم، هذه أرض سلام وتلك أرض حرب. وهنا يتبادر إلى الذهن سؤالان، الأول: كيف تنظم الدولة علاقاتها مع مواطنيها على اختلافاتهم، والثاني: ما هي علاقة الدولة ككل مع جيرانها؟ إذا ما اتخذت هذه الدولة الخيار الديني أو العرقي الخ، تبعاً لذلك، ما هو مصير الجماعات الدينية غير السائدة ، وغير المسيطرة، هل مصيرها الابادة الجامعية، وفي نفس السياق، هل سوف تكون العلاقة القائمة مع دول العالم علاقة حرب مفتوحة؟ وبالأساس في عهد القراءة والتأويل، هل هناك من يمتلك الحق في تحديد الانتماء للوطن تبعاً للموقف الفكري؟ ألا توجد خيارات أخرى؟! العلمانية هي الخيار.

في الشريعة الدينية تتجلى أحكام من قبيل: الجلد والرجم وقطع الرؤوس، ويطالب الحاكم  (ولي الأمر وفق المفهوم الديني) بتطبيقها. وبالرغم من أنه يمكن تفسير ظهور هذه الشرائع في مرحلة من التاريخ البشري، إلا أن استمرار عليها رغم كل شيئ بعد ثورة المعرفة والعلم، وقيام الدولة العلمانية، أمر غير مبرر.

منحت الخبرة التاريخية التي مرت بها أوروبا حينما انتقلت من الدولة الدينية التي تحكمها الكنيسة، إلى الدولة الوطنية العلمانية درساً لا يقدر بثمن، للانسانية جمعاء. يقول المثل الشعبي “يلي بجرّب المجرّب عقله مخرّب” ومن يريد ان يعيد تجربة أوروبا التي قضى فيها الملايين على مذبح الدولة الدينية، وكأنه يطالبنا ان نُقدم على تجاهل عقولنا والانتحار بوجوه باسمة فداءً لجنونه! مع العلم أن هذا لا يعني انتفاء الكوارث في عالم ما بعد الدولة الدينية، ومع العلم ان البشرية دفعت الثمن الباهظ في الحروب العالمية الحديثة. وهذا أمر لا يجب ان نغفله أيضاً في قرائتنا للتجربة الأوروبية.

“إن الوقت من دم والتاريخ لا يرحم” والتاريخ لن يرحمنا إذا ما اكتفينا بترديد ما يطلبه الجمهور. بل فإن واجبنا التاريخي أن نتصدى للأفكار البائسة حتى وان كانت هي السائدة. الآلاف من شبابنا يذهبون نحو حتفهم بأن ينضموا للجماعات الجهادية التي لا نقتل فيها جميعاً بدون مبرر ولا سبب. فهل هو قدرنا؟  وهل نبقى مكتوفي الأيدي نتفرج على وسائل الاعلام  ووزارات الاوقاف والتربية والتعليم والأحزاب الدينية وهي  تضج نشازا وهمجية وتخلفا ودماً، حتى بدون ان ننطق ونعزف لحن  الحياة والأمل والمستقبل الأفضل والعلمانية والديمقراطية؟