mohannadbari

مين لسّا بالبلد؟

تغيّرت مفاهيم الناس عن الهجرة: أُدينت في السابق حين كانت تعني الهروب من تحمّل المسؤوليّة النضاليّة، أمّا اليوم، فأمست تعني البحث عن الذات بعد انسداد الأفق، وصار يُبَرّر لمن يتّخذ قرار الرحيل. تسبق الهجرة الفيزيائيّة هجرة للنفس وشعور بالاغتراب الذاتيّ، ويكون الاغتراب حين يفقد المرء المعاني التي تربطه بمحيطه. محاربة الهجرة بحث في المعنى الاجتماعيّ، أي في الوجود الاجتماعيّ.
مهنّد عاهد

كتبت قبل فترة وجيزة في حسابي على فيسبوك منشورًا سريعًا يقول “مين لسّا في البلد؟” تعبيرًا عن تساؤل لحظيّ وحالة عابرة، لكن ما لم يخطر في بالي إطلاقًا، أنّني سأكتشف المزيد من الأصدقاء الذين رحلوا بهدوء.

تنامت ظاهرة هجرة الشباب الفلسطينيّ في قطاع غزّة، وصارت همًّا عامًّا يلمسه الجميع، حتّى مع عدم توفّر إحصاءات رسميّة توضح أعداد المهاجرين منهم فعليًّا. ما إن تُطرح قضيّة الهجرة حتّى يشتعل الحوار بين معارض بالمطلق ومؤيّد لبحث الشباب عن أفق، مع خفوت الصوت الممانع والداعي إلى البقاء. يبدو أنّ هذا ليس غريبًا في ظلّ الواقع السياسيّ الفلسطينيّ الذي ابتُلينا به، وما جلبه لنا طرفا الانقسام. تُساق المبرّرات، وهي محقّة، إلّا أنّ السؤال الذي يبقى يلوح في الأفق: هل الهجرة هي الحلّ؟

منذ بلغت الثامنة عشرة من عمري، وصرت مؤهّلًا، وفق القانون، للمشاركة بصوتي في العمليّة الانتخابيّة، وهو ما كان طموحًا لي ولكلّ أبناء جيلي، لم تُنَظّم انتخابات واحدة، ولا حتّى طلّابّية في الجامعة، وهذه صارت سمة المرحلة. كان عليّ أن أنتظر حتّى عام 2011.

في الخامس عشر من آذار عام 2011، خرج الشباب الفلسطينيّ إلى الشوارع في قطاع غزّة والضفّة الغربيّة، على السواء، ورفعوا شعار إنهاء الانقسام، ودعوا الطرفين المنقسمين للعودة إلى الشرعيّة الديمقراطيّة، إلّا أنّ المحاولة التي استعادت حضور الشعب، ولو لوهلة، وألهبت المشاعر بعد أن نزل الآلاف إلى الشوارع، لم تتح لها الفرصة كي تنمو وتزهر، بل عملت القوى الأمنيّة المنقسمة، مجتمعة، على كبحها، ومحاولة خنقها في مهدها، وهذا لن يكون غريبًا على المنقسمين.

أذكر جيّدًا كيف لاحقنا رجال الأمن من ذوي الوجوه العابسة، بعصيّهم الغليظة، بين الزقاق والآخر، وكيف اعتقلوا وعذّبوا من وقع تحت أيديهم. بعدها لم تخلُ جلسة مع الأصدقاء من مناقشة حالة الإحباط والاغتراب التي يعيشها كلّ واحد منّا، والهجرة باعتبارها سبيل الوصول إلى عالم الحرّيّات والديمقراطيّة.

العدوان الإسرائيليّ الأخير كان نقطة تحوّل فارقة، فبعد أن امتلأت المدارس بالمهجّرين من ديارهم قصرًا، صار لزامًا على الشباب أن يأخذوا زمام المبادرة. تطوّعت بصحبة مجموعة من الشبّان في أحد هذه الملاجئ، وهو مدرسة تديرها وكالة الغوث في مخيّم الشاطئ للّاجئين الفلسطينيّين، وكانت مهمّة الفريق التخفيف عن الأطفال قدر المستطاع، بأن نمنحهم لحظة فرح وسط ركام المباني ورائحة الموت المنبعثة من كلّ جانب. في إحدى المرّات، حاولت عبثًا إلهاء الأطفال حولي عن صوت الطيران الحربيّ، وطلبت إليهم أن يطلقوا صرخة واحدة. ارتسمت الضحكات على الوجوه حين مالت الكفّة إلى جانبهم، فتفوّقت صرخاتهم على صوت الموت المحلّق. إلّا أنّ طائرة حربيّة حسمت النزال أخيرًا بصاروخ دوّى في مكان ليس ببعيد، فانقلبت معه صرخات الأطفال إلى نحيب وبكاء. في لحظة الانفجار شعرت كم هو الإنسان بلا قيمة، ونظرت نحو السماء متتبّعًا المكان الذي تصاعدت منه الأغبرة والدخان، ظننت أنّني في حلم. أيقظتني صيحات الأطفال الباحثين عن أمّهاتهم وسط الزحام. تسمّرت مكاني لا أعرف وجهة أذهب نحوها، فأنا أقف داخل ملجأ المؤسّسة الدوليّة الأكثر أمنًا وسط هذا الجنون! ليس ثمّة مكان آمن، حتّى الملاجئ صارت أسماء محفورة في الذاكرة، بين قوائم المجازر الإسرائيليّة. وسط هذا الفزع شاهدت كيف كان الآباء حيرى يكتمون غضبهم وآلامهم، حين أدركوا أنّهم ما عادوا قادرين على وهب الحماية لأطفالهم.

لفتني قدر التفاعل مع منشوري السريع الذي كتبت، وكأنّ الجميع اتّفق على العزم على الرحيل، غير أنّ الذي شدّني أكثر من غيره، أنّني اكتشفت أصدقاءً كثرًا رحلوا بهدوء.

لؤي، صديق مثابر وطموح، قرّر، سابقًا، ألّا يغادر البلد وأن يبقى في المنزل الذي يحفظ رائحة والده الراحل. لم يكن ثوريًّا ليرفع شعارًا من نوع: “النضال من الداخل”، لكنّه يحبّ غزّة وميناءها البحريّ الذي جمعتنا فيه أطيب السهرات، وفي كلّ مرّة يدور النقاش حول الهجرة، كان يسأل سؤاله المعتاد: “وين رح تلاقي مفتول زاكي بأوروبّا؟” بعد أن أنهى دراسته الجامعيّة عمل في مخبز بعشرين شيقل يوميًّا، أي خمسة دولارات، وحين ضرب معه الحظّ، كما كان يقول، التحق في بطالة لثلاثة أشهر مع إحدى المؤسّسات، كان سعيدًا أنّه عمل بتخصّص قريب إلى تخصّصه الجامعيّ هذه المرّة، لكنّه لم يكن محظوظًا، كما كثيرين في غزّة، وانتهى عقد عمله، ولم يجد سبيلًا إلى التجديد. انقطعت أخباره، وجاء ليعلّق على الحالة التي ذكرتها أعلاه، وأعلن أنّه ترك قلبه في غزّة، وصار “برّا” في دول الشمال الغنيّ، في القارّة العجوز.

أمّا ميّ، الصديقة التقدّميّة، التي كانت تحدّثني عن الصمود في ما تبقّى من أرض فلسطين، غادرت هي الأخرى! حدث ذات مرّة أن كانت تتنزّه مع بعض الأصدقاء على شاطئ البحر، المنفذ الذي يكاد يكون الوحيد في غزّة، حين اعتقلت عناصر الشرطة المجموعة، واعتدت عليهم بالألفاظ النابية والضرب المبرح، واتّهمتهم بالاختلاط في مكان عام! التهمة التي لم تعد غريبة بعد ذلك! خرجت ميّ من التجربة مختلفة كلّيًّا. اليوم، غادرت البلد، كما لم يبقَ من أصدقائها من يحدّث بالقصّة، فقد توزّعوا في بلدان العالم: بعضهم ترك غزّة منذ وقت طويل، وبعضهم الآخر تركها قبل أشهر قليلة.

تكرّرت القصّة مرارًا مع آخرين، وبأشكال مختلفة، ومن واجه قسوة رجل الأمن المتزمّت، كان مصيره شبيهًا تمامًا.

تغيّرت مفاهيم الناس عن الهجرة: أُدينت في السابق حين كانت تعني الهروب من تحمّل المسؤوليّة النضاليّة، أمّا اليوم، فأمست تعني البحث عن الذات بعد انسداد الأفق، وصار يُبَرّر لمن يتّخذ قرار الرحيل. تسبق الهجرة الفيزيائيّة هجرة للنفس وشعور بالاغتراب الذاتيّ، ويكون الاغتراب حين يفقد المرء المعاني التي تربطه بمحيطه. محاربة الهجرة بحث في المعنى الاجتماعيّ، أي في الوجود الاجتماعيّ.

كلّ مرّة تذكر وسائل الإعلام أعداد المهاجرين المفقودين في بحر المتوسّط، أشعر أنّ جزءًا من الحقيقة قد غاب، فهم ليسوا أرقامًا صمّاء، بل قصص من لحم ودم، كلّ واحدة منها تحمل صنوفًا متنوّعة من الوجع ومرارة الحياة، ولا تخلو من أمل.

هل الهجرة هي الحلّ؟ إنّ هذا يتنافى مع ميل الناس الطبيعيّ نحو تأكيد حضور الذاتيّ عبر الجماعة الوطنيّة. في الماضي، أطلق الفلسطينيّون منظّماتهم الكفاحيّة التي مثّلت تطلّعاتهم، فأعادوا للذات الجمعيّة مكانتها وأعطوا للوجود معنى. اليوم، بعد تراجع القوى الممثّلة لطموح الناس، وتماهي المعنى مع اللا معنى، فإنّ المهمّة الملقاة على عاتق الشباب تكمن في القدرة على الخروج من حالة الإحباط واستعادة زمام المبادرة والفعل.

كانت تجربة الخامس عشر من آذار عام 2011 بارقة أمل لجيلنا، أمّا اليوم، فأسئلة البقاء أو الرحيل عن البلد باتت أثقل من أيّ وقت مضى.

مقال منشور في موقع فسحة بتاريخ 31/12/2016:http://www.arab48.com/فسحة/ورق/آخر/2016/12/31/مين-لسا-بالبلد