mohannadbari

حوار مع دجّال

عندما صعدت إلى سيارة الأجرة بغرض العودة إلى المنزل، كان الراكب الجالس في الكرسي الأمامي المجاور لمقعد السائق يعدد لبقية الركاب التالي: “وتردد مئة مرة لا حول ولا قوة الإبالله، وتردد مئة مرة استغفر الله العظيم” .. الخ. لم أكن قد فهمت الموضوع الذي تدور حوله هذه العبارات بعد فآثرت الصمت والاستماع. أكمل الرجل “بهذه العبارات يشفى المريض فوراً.. بإرادة الله”. ثم أردف أن الشفاء تحقق على يديه عندما التقى برجل يعاني من الشلل في كلتا قدميه.. لقد وقف الرجل المشلول على الفور وكان “ينط نط”. كان يقول هذه الكلمات بفرح مبالغ فيه. انتشرت الابتسامة على وجوه الراكبين الآخرين. من مرآة السيارة، شاهدت الفرح في عيني السائق الخمسيني وهو يتابع كلام الرجل المعجزة باهتمام. فهمت الأمر أخيراً.. إنه دجال آخر. 

الشاب العشريني الذي يجلس إلى جواري سأل الرجل عن اسمه وآلية الوصول إليه. موضحاً أن والدته تعاني من آلام في الظهر والقدمين عجز الأطباء عن تحديد مصدرها. تنهّد الرجل وعرّف نفسه أنه أبو حسن وأنه يقطن في حي الشيخ رضوان، مفصلاً المكان الذي يتواجد فيه على مدار الوقت إذا ما احتاجه أحد المرضى. 

فكرت كثيرا قبل أن أدخل على الخط. ثم سألت الرجل المعجزة متعجباً: ما الفائدة من دراسة الطب طالما أن بضعة عبارات كفيلة بعلاج المرض مهما كان عصياً؟! كنت أترقب تدخل السائق فقد قطعت عليه نشوته.  غير أن الرجل المعجزة شاء أن يثني على كلامي لكنه وقع في الفخ. ذكر أن العلاج من عند الله وحده. فأومأت موافقاً. ثم أكمل قائلا “إن الأطباء يتوكلون على الله ويقرأون هذه العبارات المعجزة قبل الدخول إلى الغرفة حيث يتواجد المريض.. وإلا كيف يشفي الله المرضى!”. تأثرت من هذا الكشف العظيم وكدت أن أرمي الأطباء بأشد اللعنات.. هل أقول له ذلك؟ سألت نفسي. لكنني قررت أن أسلك طريقاً آخراً.

سألت الرجل ببلاهة: وهل يشمل ذلك الأجانب من غير الناطقين بالعربية؟ أدار الرجل وجهه نحوي وأومأ موافقاً. ثم أكد “إن الأجانب أيضاً يقرأون هذه العبارات!” سألته: بالعربية؟ لم يجب. ورد السؤال بسؤال: ألا تعلم أن المسيحيين واليهود يؤمنون بالله أيضاً! أضحكني هذا الدجال أنا أيضاً.. سألته ماذا عن البوذيين يا سيادة العلّامة، هل يقرأون هذه العبارات أيضاً؟ وبالعربية الفصحى؟ لم يملك خياراً. أكد أنهم يقرأون ذات العبارات بالعربية لغة القرآن!
انفجرت ضاحكاً: اتقوا الله.. اتقوا الله

موجهاً كلامي للشاب المجاور لي: لو كان كلام هذا الرجل صحيحاً لما احتجنا إلى طبيب يقضي من عمره ست سنوات أو أكثر وهو يدرس الطب. وما احتجنا أن نقوم بتحويل المرضى للعلاج في مصر والأردن وألمانيا واليابان. إن هذا كلام فارغ وليس له معنى. وقررت أن أعيش دور الشيخ الذي يلقي على الناس من ذراريه فقلت: عندما سُئل الرسول الكريم عن معجزة مادية كاحياء الموتى وعلاج المرضى، كان يجيب “ما أنا إلا بشر مثلكم”. كيف بهذه العبارات تشفي الناس يا هذا؟! (تقمصت دور الشيخ )

كانت السيارة قد وصلت إلى المكان المنشود أخيراً. طلبت من السائق أن انزل. غير أن الدجال قرر أن يكمل الحوار معي ونزل من السيارة هو الآخر. كان يحاول أن ينهيني عن هذه الفعلة اللعينة التي اقترفتها للتو. اعتذرت منه وأخبرته أنني في عجلة من أمري وانسحبت.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *