mohannadbari

الطفلة والعروسة

تنزيل

عندما يقوم الأهل في الأسرة باعطاء ابنتهم لعبة كعروسة أو أواني مطبخ، لا يكون هدفهم محصورا بتسلية البنت أو منحها مساحة لامضاء وقت فراغها فقط، بل يشمل ذلك أيضاً بث أفكار تعمل على تأنيث البنت وتحويلها لأنثى بالمعنى المجتمعي. فالدمية وأواني المطبخ لا تعني شيئاً آخر غير تحضير البنت لدورها ووظيفتها التي حددها لها المجتمع كأم ومربية أطفال  وخادمة في المطبخ. إن أبرز خصائص الثقافة السائدة، والتي تحكم حياة الناس في المجتمع، وترسم الحدود، تتجلى في الواجبات المفروضة على الفرد. وتبقى الخطوة الأولى في سلّم الحرية الطويل والشاق، بوضع الوظيفة المعهودة من قبل المجتمع أمام التساؤل.

mohannadbari

أزمة الدولة الوطنية في العالم العربي

يتهدد مشروع الدولة الوطنية في العالم الرابع خطر وجودي، تحديداً في كل من مصر وتونس. فلم يعد شكل النظام وحده مثار سؤال وتشكيك من قبل الناس، بل أصبح الخطر يحدق بوجود الكيان السياسي القائم برمته، في ظل تفاقم أزمات الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وغياب المشروع السياسي الوطني والديمقراطي وحامِله السياسي، وتفاقم فجوة الفقر والاستقطاب الحاد بين الأغنياء والفقراء على الصعيد المحلي، واتساع التفاوت بين دول الشمال ودول الجنوب على الصعيد العالمي، وتصاعد طروحات تفترض ان حل مشكلات المجتمع يكون بالعودة القهقري الى شكل الدولة الدينية والطائفية، أو عبر إقامة كيانات عرقية نقية وخالصة، والتي تجد لها صدى واستجابة على المستويين الاقليمي والدولي، وفي سياق تمدد قوى الظلام في كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن، والتي تمثل نموذج الفوضى الممكن في غياب البديل الوطني الديمقراطي السياسي والاجتماعي.

فمن جهة، كان لاستمرار التناقضات السياسية والاجتماعية ما بعد ثورات الربيع العربي كما كانت قبلها، بل ربما وبصور أكثر سوءًوأشد ثقلاً على جموع الناس، في دول القسم الأكبر من طبقتها الوسطى تحت خط الفقر، حيث الفجوة بين الأغنياء والفقراء هي الأضخم، ونسب الشباب المعطلين عن العمل تسجل أرقاما قياسية، وميل الحكومات لفتح أسواقها للمنتجات الأجنبية وخصخصة القطاعات الأكثر ربحية، والاندفاع نحو القروض لتغطية عجز موازناتها عبر الامتثال لشروط صندوق النقد الدولي، وتفشي ظاهرة الفساد والمحسوبية، كل ذلك، أسهم في هز ثقة الناس في كيانهم السياسي القائم، ووفر بيئة حاضنة لأشكال من المعارضة الجذرية التي تمظهرت بحركات طائفية أو دينية أو قومية، والتي تتطلع لحل أزمات المجتمع بعيداً عن الدولة بصيغتها الوطنية**.

من جهة ثانية، فإن حالة المراوحة والعجز لدى القيادة السياسية الجديدة التي تقلدت زمام الحكم ما بعد إسقاط نظامي بن علي ومبارك، والتي تسير على خطى سالفتها في حصر هامش الحريات والاستناد على أجهزة الأمن والمخابرات كبديل عن قاعدة الأحزاب السياسية المنظمة وذات المشروع الديمقراطي، والتحالف مع شريحة رؤوس الأموال المسيطرة وتغييب المشروع الوطني الديمقراطي في سياقه الاقليمي العربي، كما والتغييب المفتعل لفلسطين عن الاستراتيجية السياسية، كل ذلك، إذ يفاقم أزمات النظام ويعرّيه أمام الشعب ويحجب عنه الشرعيتين الوطنية والديمقراطية.

ومن جهة ثالثة، لقد مثّل الصعود المضطرد لحركات دينية وطائفية وعرقية، والتي حملت خطاباً ماضوياً يشكك بالنظام الديمقراطي وامكانيته على اجتراح حلول لأزمات المجتمع في ظل الدولة الوطنية، والتي تدعو لإقامة أنظمة حكم دينية أو طائفية، أحد أبرز التحديات التي تواجه الدولة الوطنية الديمقراطية تحديداً مع وجود جهات اقليمية ودولية داعمة لهذه الحركات. الصعود الذي جاء بعد أن أخلت الحركة الوطنية الحيزين السياسي والنقابي اللذان تعمل بهما وضعف دورها فيهما، باختلاف نسبي بين تونس ومصر، لأسباب عدة أبرزها العنف الذي مارسته الدكتاتوريات السابقة أو عبر ادماج بعض مكونات الحركة الوطنية في منظومة الفساد العام وبالتالي التحاقها بالحزب الحاكم. بالإضافة الى حداثة التجربة الديمقراطية وخصوصيتها في مجتمعات تغلب عليها الأمية والاقتصاد الزراعي المتخلف، وعدم حل مشكلة التنوع في إطار دولة المواطنين.

ومن جهة رابعة، فإن استعادة مفهوم الشعب وإرادة الشعب والتي مثّلت التجلي الأجمل لثورات الربيع العربي، عززت ثقة الناس بقدرتها على صناعة التغيير، وهزّت صورة أشد الأنظمة عنفا وقسوة في المخيلة الشعبية وفتحت الآفاق للتطلع نحو أنظمة جديدة تلبي الطموحات وتحقق العدالة الاجتماعية وتخضع السلطة للمساءلة الشعبية. كذلك فقد فضحت الثورتين المصرية والتونسية، ضعف الخبرة السياسية والتنظيمية للحركات الشبابية الديمقراطية الناشئة، وغياب موجهها الفكري، كل ذلك، في ظل ترهّل الأحزاب التقليدية والتصاق معظمها بالدكتاتوريات السابقة، إلا ما ندر، والتي عارضت الثورات في بواكيرها الأولى أو اقترحت الحلول التصالحية، وإن انخرطت فيها لاحقاً بعد أن أثمرت. وكانت المساحة التي وفرتها وسائل الاعلام الجماهيري والاجتماعي الوسط الذي ساعد وسهل انتشار الرؤى النقدية للنظام، لكنها في الوقت ذاته عززت من النزعة الفردية لدى قادة الحراك، وأدت في آخر المطاف إلى سيطرة القوى التقليدية على زمام الحكم بعد الثورة.

ومن جهة خامسة، لقد كان لاستمرار هيمنة السياسات النيوليبرالية على النظام العالمي الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تهدف إلى تقويض الكيانات السياسية وسحق واحتواء الحركات الاجتماعية المناهضة فيها، والتي تجلت عبر تعزيز التفاوت على الصعيد العالمي بين دول الشمال الغني ودول الجنوب الفقير، وإخضاع الدول، النامية منها تحديداً، لسياسات صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية في غياب فرص المنافسة، وتحويلها لأسواق للمنتجات الغربية، وخصخصة القطاعات الأكثر ربحية فيها، والذي أتاح للشركات متعددة الجنسيات السيطرة على مواردها وخيراتها. النيوليبرالية التي شكلت اليد الخفية والطولى لتجويع واستعباد شعوب الجنوب، فاقمت أزمة الدولة الوطنية وسلبتهاأدواتها وأفقدتها أهميتها واحترامها بالنسبة لشعبها، وبالتالي سحبت بساط الشرعية من تحت أقدامها والذي ينذر بانهيارها لاحقا.
ومن هنا تبرز خيارات الأنظمة السياسية والنخبة الحاكمة والتي أصبحت تضيق أكثر فأكثر يوما بعد يوم، وتتحدد على المدى البعيد في خيارين.
أولهما، أن تستمر هذه الأنظمة بتحالفاتها وانحيازاتها الحالية لمصلحة طبقة رؤوس الأموال الوطنية السمسارة الخاضعة في المنظومة العالمية الأحادية فتغيب الديمقراطية الاجتماعية بقوة العسكر والمخابرات وبأحسن أحوالها تقدم ديمقراطيات سياسية فارغة المضمون، حيث “يتحدد مصير الشعوب لا في صندوق الانتخابات بل في مكان آخر هو السوق” وبالتالي تسهم في إفقار شعوبها وانهاك البنى والأحزاب السياسية الحاملة للمشروع الوطني الديمقراطي وتفقده شرعيته، وتزيد من حالة الاغتراب والتشظي للفرد الذي لن يجد له ملجأ آخر سوى بالهويات الفرعية السابقة على الهوية السياسية الوطنية: القبلية والدينية والطائفية والعرقية، وبالتالي تمهّد الطريق نحو انهيار الدولة وتنذر بتشكيل كيانات دينية وطائفية وعرقية هزيلة ومتصارعة وأكثر ضعفا وفقرا وعلى هامش النظام العالمي.

وأما الخيار البديل، أن تنحاز هذه النخب إلى مصلحة الأغلبية الساحقة من شعوبها: جوعى وعمال وفلاحين وطبقة وسطى، وتدفع نحو المزيد من التضبيط الاقتصادي وفرض السياسات الحمائية، وتعمل على سنقوانينتضمن حقوق الناس بالعمل والحياة الكريمة، وتوظيف رأس المال الوطني ضمن استراتيجية تنمية اقتصادية وطنية، جنباً إلى جنب مع الدفع نحو دمقرطة المجتمع وتوسيع مساحة الحريات السياسية والفكرية والنقابية، ومحاربة الفساد، والأخذ على عاتقها علمنة الدولة وتوفيق أدواتها مع مشروعها السياسي الوطني والديمقراطي. وبالتالي تفتح الطريق نحو تحسين شروط الحياة الاقتصادية والسياسية للناس بما يخفف من ظاهرة الاغتراب المستشرية ويحقق معنى للديمقراطية السياسية ويزيد من ثقة الناس بالبنى والأحزاب السياسية ومشروعها السياسي المتمثل بالدولة الوطنية الديمقراطية على طريق تحقيق الديمقراطية الاجتماعية، والتي معها، ومعها فقط، ستؤمن استمرارية الكيانات السياسية أو الدولة كتعبير عن إرادة الناس. كل ذلك في إطار تكتل عام للدول الوطنية في الشق الجنوبي من العالم،لمواجهة قوى السوق المحررة.