mohannadbari

حوار مع دجّال

عندما صعدت إلى سيارة الأجرة بغرض العودة إلى المنزل، كان الراكب الجالس في الكرسي الأمامي المجاور لمقعد السائق يعدد لبقية الركاب التالي: “وتردد مئة مرة لا حول ولا قوة الإبالله، وتردد مئة مرة استغفر الله العظيم” .. الخ. لم أكن قد فهمت الموضوع الذي تدور حوله هذه العبارات بعد فآثرت الصمت والاستماع. أكمل الرجل “بهذه العبارات يشفى المريض فوراً.. بإرادة الله”. ثم أردف أن الشفاء تحقق على يديه عندما التقى برجل يعاني من الشلل في كلتا قدميه.. لقد وقف الرجل المشلول على الفور وكان “ينط نط”. كان يقول هذه الكلمات بفرح مبالغ فيه. انتشرت الابتسامة على وجوه الراكبين الآخرين. من مرآة السيارة، شاهدت الفرح في عيني السائق الخمسيني وهو يتابع كلام الرجل المعجزة باهتمام. فهمت الأمر أخيراً.. إنه دجال آخر. 

الشاب العشريني الذي يجلس إلى جواري سأل الرجل عن اسمه وآلية الوصول إليه. موضحاً أن والدته تعاني من آلام في الظهر والقدمين عجز الأطباء عن تحديد مصدرها. تنهّد الرجل وعرّف نفسه أنه أبو حسن وأنه يقطن في حي الشيخ رضوان، مفصلاً المكان الذي يتواجد فيه على مدار الوقت إذا ما احتاجه أحد المرضى. 

فكرت كثيرا قبل أن أدخل على الخط. ثم سألت الرجل المعجزة متعجباً: ما الفائدة من دراسة الطب طالما أن بضعة عبارات كفيلة بعلاج المرض مهما كان عصياً؟! كنت أترقب تدخل السائق فقد قطعت عليه نشوته.  غير أن الرجل المعجزة شاء أن يثني على كلامي لكنه وقع في الفخ. ذكر أن العلاج من عند الله وحده. فأومأت موافقاً. ثم أكمل قائلا “إن الأطباء يتوكلون على الله ويقرأون هذه العبارات المعجزة قبل الدخول إلى الغرفة حيث يتواجد المريض.. وإلا كيف يشفي الله المرضى!”. تأثرت من هذا الكشف العظيم وكدت أن أرمي الأطباء بأشد اللعنات.. هل أقول له ذلك؟ سألت نفسي. لكنني قررت أن أسلك طريقاً آخراً.

سألت الرجل ببلاهة: وهل يشمل ذلك الأجانب من غير الناطقين بالعربية؟ أدار الرجل وجهه نحوي وأومأ موافقاً. ثم أكد “إن الأجانب أيضاً يقرأون هذه العبارات!” سألته: بالعربية؟ لم يجب. ورد السؤال بسؤال: ألا تعلم أن المسيحيين واليهود يؤمنون بالله أيضاً! أضحكني هذا الدجال أنا أيضاً.. سألته ماذا عن البوذيين يا سيادة العلّامة، هل يقرأون هذه العبارات أيضاً؟ وبالعربية الفصحى؟ لم يملك خياراً. أكد أنهم يقرأون ذات العبارات بالعربية لغة القرآن!
انفجرت ضاحكاً: اتقوا الله.. اتقوا الله

موجهاً كلامي للشاب المجاور لي: لو كان كلام هذا الرجل صحيحاً لما احتجنا إلى طبيب يقضي من عمره ست سنوات أو أكثر وهو يدرس الطب. وما احتجنا أن نقوم بتحويل المرضى للعلاج في مصر والأردن وألمانيا واليابان. إن هذا كلام فارغ وليس له معنى. وقررت أن أعيش دور الشيخ الذي يلقي على الناس من ذراريه فقلت: عندما سُئل الرسول الكريم عن معجزة مادية كاحياء الموتى وعلاج المرضى، كان يجيب “ما أنا إلا بشر مثلكم”. كيف بهذه العبارات تشفي الناس يا هذا؟! (تقمصت دور الشيخ )

كانت السيارة قد وصلت إلى المكان المنشود أخيراً. طلبت من السائق أن انزل. غير أن الدجال قرر أن يكمل الحوار معي ونزل من السيارة هو الآخر. كان يحاول أن ينهيني عن هذه الفعلة اللعينة التي اقترفتها للتو. اعتذرت منه وأخبرته أنني في عجلة من أمري وانسحبت.

mohannadbari

أن تقتني كتابًا في غزّة

أن تجد كتابًا تبحث عنه في قطاع غزّة، ليس بالأمر السهل. لا يقتصر الأمر على سعر الكتاب، أو الاهتمام من عدمه لدى صاحب المكتبة، على أهمّيّة تلك الأسباب، إنّما يتعلّق بمدى توفّره في المكتبات العامّة أيضًا، بعد أن يمرّ عبر مِجْهَرَيّ الأمن والأخلاق. عندما كنت أبحث عن كتب بعينها، لم أكن أجد مبتغاي غالبًا، ما جعلني في حالة امتعاض دائم من كلّ حوار يتعلّق بالمكتبات في القطاع، وربّما لهذا السبب يأتي هذا الاحتجاج.

لا شيء لهذا الكنفاني

نويت ذات صباح أن أقرأ مجلّد القصص القصيرة للأديب الفلسطينيّ غسّان كنفاني، وبينما كنت في مكتبة الجامعة، سألت أمين المكتبة عنه. بعد أن بحث في الحاسوب الخاصّ به، رفع رأسه بتثاقل وأجاب أنّه لم يجد شيئًا لهذا الكنفاني!

لم يكن وقع الأمر مريحًا أبدًا، على الرغم من أنّه لم يسبق وأن تعثّرت بكتب لكنفاني بين رفوف الكتب. ربّما جعلني الفضول أقدم على السؤال، فغسّان يستحقّ أن نسأل عنه ونسائل المقصّرين بحقّه. لم أفقد الأمل، ذهبت إلى مكتبة جامعة أخرى. وجدت المجلّدين الأوّل والرابع من أعمال كنفاني، أمّا مجلّد القصص القصيرة كان مفقودًا، ولا توجد منه نسخة أخرى. عدت أقلّ إحباطًا، وإن لم أحصل على الكتاب الذي أريد… فقد تذكّروا صاحب أدب المقاومة بشيء ما على الأقلّ!

 

الكتب مصادرة

تمكّنت نهاية عام 2012 من السفر إلى مصر، وزرت مكتبة الأزبكيّة التي تزخر بالكتب القيّمة والرخيصة. اشتريت يومها ما يزيد على سبعين كتابًا في الفلسفة، والفكر، والأدب العربيّ، والمترجم. كان من بينها كتب تناقش الخطاب الدينيّ في العالم العربيّ. خشيت أن أواجه بعض المشكلات في نقلها إلى غزّة، مع أنّ الأمر لا يتعلّق بالوزن الزائد، فربّما يصادرونها.

قرّرت، أخيرًا، أن أنقل بعض تلك الكتب بمساعدة صديق “متديّن” ولديه سمات ممتازة لهذه المهمّة! بعد أيّام، التقيت الشابّ في غزّة. أخبرني بأنّه كان مستعجلًا، فارتكب خطأً فادحًا بأن وضع كتبي “الفاضحة” فوق مجموعة “البداية والنهاية” لابن كثير، خاصّته. عندما وصل الجانب الفلسطينيّ من المعبر وفتح الحقيبة للتفتيش اليدويّ، وقعت عين رجل الأمن على كتاب “نقد الخطاب الدينيّ” للمفكّر المصريّ نصر حامد أبو زيد، فالتقطه بيده. الكتاب الثاني لم يكن أقلّ “فضائحيّة”، عندها صرخ في وجه صديقي: “الكتب مصادرة… استغفر الله العظيم”. بعد أن أجرى لقاءات مكّوكيّة مع الضبّاط ورجال الأمن ومحاولات التبرير، وبعد أن تذرّع بقراءة هذا النوع من الكتب بغرض مهاجمة “الكفّار”، تركوها له!

 

هذه مكتبة تنشر الفضيلة

كانت زيارتي لمكتبة تتبع أحد التنظيمات الاشتراكيّة في القطاع فرصة مثاليّة للحصول على نسخة من رواية “وليمة لأعشاب البحر”، للكاتب السوريّ حيدر حيدر، إذ كان الحصول على هذه الرواية ورقيًّا أمرًا ممتنعًا عن التحقّق، بعد أن حُجبت عن مكتبات القطاع، إثر قرار حكوميّ يمنع بيعها منذ العام 2011.

كان حرص أفراد الأجهزة الأمنيّة في البحث عن الرواية لافتًا، إنّه الأمن والأمان! والمفارقة المضحكة أنّك لن تجد منهم مَنْ يصرف بعضًا من وقته الثمين في استكشاف عالم الرواية. لم تكن رواية حيدر الأولى، ويبدو أنّها لن تكون الأخيرة، ضمن قوائم الممنوعات في هذه البلاد.

بعد فترة من الزمن، زارني أحد الأصدقاء وكان يحمل في يده نسختين من رواية “جملكيّة أرابيا” للروائيّ الجزائريّ واسيني الأعرج. قدّم لي النسختين هديّة، واحدة لي والأخرى لشقيقي، وقال إنّه استطاع تهريبهما من المكتبة التي يعمل فيها، بعد أن قرّر مالك المكتبة إحراق كتب الأعرج!

أوضح لي أنّ أحد الشيوخ قدم إلى المكتبة وأخبر الموظّف الجالس خلف المكتب، أنّ مالك المكتبة يستطيع أن يبيع كتبًا ويحقّق الربح من دون أن ينشر الكفر والزندقة في مجتمع إسلاميّ! على الرغم من أنّ تلك الكلمات لم تعجب الموظف، فقد أبدى تأييدًا لكلام الشيخ. بضعة ساعات وجاء القرار من المالك: لا تبقوا على رواية واحدة لهذا الكافر، نحن مسلمون وهذه مكتبة تنشر الفضيلة فقط. هكذا تمّ الأمر!

 

16 ساعة من غياب الكهرباء

المكتبة نفسها التي يعمل صديقي فيها، نشرت عرضًا خاصًّا عبر الشاشة الزرقاء، ذكرت فيه أنّ الخصم على الكتب يصل إلى 50%. إنّها فرصتي للحصول على بعض الكتب المتوفّرة ورقيًّا. رتّبت موعدًا مع أحد الأصدقاء، وتوجّهنا إلى المكتبة سويًّا. بعد أن قلّبت عناوين المكتبة واحدًا فواحدًا، اخترت ثلاثة كتب، وتوجّهت بها إلى المحاسب. كان السعر صادمًا، على الرغم من الخصم المُعلن عنه!

تكرار مثل هذا أدّى إلى أن آلف الكتب الإلكترونيّة.

على الرغم من توفّر الكتب الإلكترونيّة بشكل أكبر وأسلس من تلك الورقيّة، وهذا ما يسمح بتجاوز عائق السعر، إلّا أنّ عائقًا آخر يبرز في المقابل: التيّار الكهربائيّ المفقود. إنّ قطع الكهرباء لأكثر من 16 ساعة يوميًّا عن منازل الغزّيّين، يُفقد هذا البديل جدواه. الكتاب الإلكترونيّ يموت إذا غابت الكهرباء، إنّه يموت فعلًا.

 

كتب الـ USAID الثمينة

تفاجأت مرّة بكمّيّة كتب جديدة وصلت مكتبة الجامعة، وبطبعات ثمينة، تحديدًا في قسم الروايات. التقطت إحدى هذه الروايات وقلّبت صفحاتها. أُلْصِقَ على الصفحة الأولى شعار كُتِبَ فيه: “إهداء من الـUSAID “. لم يكن الأمر مريحًا على الإطلاق. مع ذلك، استعرت روايتين، قلت إنّ الأمر يستحقّ المغامرة. كانت الروايتان على قدر كبير من التشويق وجماليّة الأسلوب، فالتهمتهما بنهم.

لم تفارقني الفكرة التي هجست بها منذ اللحظة الأولى؛ إنّه “الخطر الأحمر”، أو “محور الشرّ”، كما يفضّل الأميركيّون تسمية أعدائهم. حتّى هذا اليوم، ما زلت على قناعة بأنّك لن تجد ضمن هذه “الهدايا” رواية تخبرك بما فعلته الولايات المتّحدة في اليابان، مثلًا، من أجل حماية “الحرّيّات” حول العالم!

 

الكتب مضيعة للوقت!

حصرتني نوعيّة الكتب المتوفّرة في مكتبة الجامعة في استعارة بعض الروايات العربيّة والمترجمة. اخترت مرّة رواية لم أعد أذكر اسمها، توجّهت بها إلى مكتب الموظّف الخاصّ بتسجيل الكتب المستعارة. التقط الموظّف الرواية وألقى نظرة سريعة على العنوان، وباشر بعمليّة التسجيل الإلكترونيّ.

نظر إليّ، ثمّ قرّر أن يهبني نصيحته: “يا ابني، هذه الكتب بلا فائدة، من الأجدر بك أن تستثمر وقتك في شيء مفيد!”

على الرغم من غرابة الحالة، إلّا أنّني لم ألتفت إلى تلك النصيحة، ولم أعر الرجل وآراءه أيّ اهتمام. أردت أن أتقدّم بشكوى ضدّه حينها، لكنّني لم أفعل!

 

مقال منشور على موقع فسحة على الرابط التالي: https://www.arab48.com/فسحة/ورق/آخر/2018/05/28/أن-تقتني-كتابا-في-غزة

 

mohannadbari

الحركة الطلابية: هل تنبعث من جديد؟

و”انتصرت إرادة الحركة الطلابية” هذا كان عنوان البيان رقم (3) الذي صدر عن الحركة الطلابية في جامعة الأزهر بمدينة غزة، بعد اعلان الحركة التوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة مع إدارة الجامعة وفك الاعتصام الذي جاء احتجاجاً على قرار الجامعة فرض رسوم حد أدنى (9) ساعات على جميع الطلبة، وهو الأمر الذي لم تقبل به تلك الأطر جميعها.

 

وكانت الأطر الطلابية في الجامعة أعلنت الاضراب المفتوح داخل أروقة الجامعة، بعد إقدام الإدارة على طرد طلبة كلية الهندسة الزراعية من غير الملتزمين بقرارها الأخير والمتعلق بمنع الطلبة من دخول قاعات الامتحانات بدون تسديد رسوم حد أدنى (9) ساعات، صباح يوم الخميس الموافق 22 مارس العام 2018، في أولى أيام الامتحانات النصفية للفصل الدراسي الثاني. هذا ويشهد قطاع غزة تدهوراً كبيراً في الأوضاع الاقتصادية، حيث وصل عدد غير المسجلين للفصل الدراسي الحالي وارتباطاً بذلك القرار إلى سبعة آلاف طالب يشكلون حوالي 50% من مجمل طلبة الجامعة.

في أول تعقيب لها على اعلان الأطر الطلابية في الجامعة الاعتصام المفتوح، اتهمت إدارة الجامعة عبر تصريح صدر عنها جموع المعتصمين بعرقلة سير الامتحانات والتشويش المتعمد على قاعات الامتحانات، واستمرت في التأكيد على ضرورة التزام الطلبة بقرارها الأخير، في الوقت الذي تجاهلت فيه قيام أفراد الشرطة بدعوة منها، بالاعتداء على المعتصمين، واعتقال أحد عشر طالباً منهم، وتحويلهم إلى مراكز الشرطة خارج الجامعة. هذا وبررت الجامعة قرارها الأخير بالأزمة المالية التي تشهدها الجامعة وعدم التزام الطلبة بتسديد الرسوم الدراسية التي تراكمت ووصلت إلى حوالي مليون دينار أردني.

في أعقاب فشلها في فرض القرار الأخير، ونجاح الحركة الطلابية في التصدي لها، صدّرت الجامعة تصريحاً صحفياً أعلنت فيه الاتفاق مع الأطر الطلابية ينهي الخلاف القائم. ويقضي الاتفاق بتسديد الطالب حد أدنى (3) ساعات فصلياً كي يسمح له بالدخول إلى قاعات الامتحانات، وهو الاقتراح الذي كانت الأطر الطلابية قد تقدمت به لحفظ حق الطلبة في استكمال العملية التعليمية، في الوقت الذي تتجاوز فيه مبررات الجامعة المتعلقة بتنظيم عملية التسجيل. وفي مفارقة ضدية، فإن الجامعة التي سعت لحجب فرصة التعليم عن حوالي 50% من الطلبة، فإنها افتتحت تصريحها المذكور أنها تؤمن بدور الجامعة تجاه المجتمع الفلسطيني في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وأنها ستبقى حانية على أبنائها الطلبة!! وبطبيعة الحال، فإن هذا النوع من التصريحات ليس جديداً على إدارات جامعات القطاع.

جهاز شرطة الجامعات التابع لوزارة الداخلية في قطاع غزة، بدوره كان له الكلمة المعززة بالهراوة وبوط رجل الأمن، فقد تدخلت الشرطة واعتدت على الطلبة المعتصمين داخل الحرم الجامعي، وكان مشهد الضابط ذي الهراوة الذي يهاجم الطلبة في محاولة للوصول إلى أيٍ منهم، يعبّر عن العقلية الأمنية التي تحتل رأس النظام في القطاع، وهو ما خبره سكان القطاع جيداً، فقد كانت الشرطة نشرت عناصرها داخل الجامعات منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة منتصف العام 2007.

بعد نجاح الاعتصام بالاستمرار رغم القمع، حاولت إدارة الشرطة إلقاء المسؤولية عنها، وصدّرت بياناً ذكرت فيه أن “د. مروان الأغا نائب رئيس جامعة الأزهر للشؤون الإدارية والمالية، اتصل بمدير شرطة أمن الجامعة، وأبلغه أن إدارة الجامعة تطلب من الشرطة حماية الجامعة والمحافظة على النظام”. وبررت الشرطة في ذات البيان، ما أسمته قيام الشرطة بواجبها، أي بقمع الاعتصام بالقوة، بأن بعض الطلبة قاموا بتصرفات غير لائقة بأن اعتدوا على بعض الموظفين، وأعاقوا سير الامتحانات، وتهجموا على عناصر الشرطة.

تقنية التصوير عبر الهاتف المحمول ومواقع التواصل الاجتماعي، كانت كفيلة بنشر فيديوهات القمع خلال بضعة ساعات، الأمر الذي تبعه تفاعل كبير من قبل الأوساط الطلابية والثقافية، وتحول القضية إلى قضية رأي عام، تصاحب ذلك مع إدانات واسعة من قبل جملة الفعاليات الوطنية والمؤسسات الحقوقية لذاك الجرم الخطير، مع تأكيد الجميع على إدانة استخدام القوة في التعامل مع التجمعات السلمية، وقدسية الجامعات وحرمتها. الشرطة في ذات البيان الآنف الذكر، وبطريقة مثيرة للسخرية، ذكرت أنها اتخذت موقع الوسيط أو “المختار”، وجمعت بين الأطر الطلابية وإدارة الجامعة في محاولة للوصول إلى حل للأزمة!

الحركة الطلابية هل تنبعث من جديد؟

رغم حجم التباينات على المستويين السياسي والأيديولوجي، وحالة الاستقطاب التي تشهدها الساحة الفلسطينية بين الحركتين المنقسمتين فتح وحماس، التزمت الأطر الطلابية جميعها بالانحياز إلى مصلحة جموع الطلبة، والتصدي للقرار غير المسؤول الذي اتخذته إدارة جامعة الأزهر. وفي بيان جمع كل مكوناتها، أدانت الحركة الطلابية استقواء إدارة الجامعة بالشرطة وعناصر الأمن على الاعتصام المطلبي والسلمي. هذا وأصدرت الحركة ثلاثة بيانات متتالية جمعت كل أطياف الحركة الطلابية، وصولاً إلى بيان اعلان الانتصار. كذلك التزمت تلك الأطر بفعاليات الاعتصام، وكل تبعاته من مواجهة صدامية مع كل من إدارة الجامعة ورجال الشرطة.

وكانت الحركة الطلابية في قطاع غزة، مرت بتجربة عصيبة منذ اندلاع أحداث الانقسام الفلسطيني منتصف حزيران العام 2007، إذ هيمنت لغة الحسم الأمني لدى الحكّام الجدد في التعاطي مع القضايا النقابية والوطنية، الأمر الذي أضعف من دور الحراكات الشعبية والنقابية بما فيها الطلابية. إدارات الجامعات في القطاع وتحت مبرر النأي  بالجامعات عن أحداث الانقسام، وهو مبرر ساذج بطبيعة الحال، عطلت العملية الديمقراطية وأرجأت انتخابات مجالس الطلبة إلى اشعار آخر، ليس له آخر، وفرضت وقف الأنشطة الطلابية تحت طائلة المحاسبة للمخالفين. كل ذلك زعزع من حضور الحركة الطلابية وجمّد الدماء فيها، ولم يسمح لها بالقيام بدورها الوطني والديمقراطي والمطلبي الذي يقع ضمن مسؤولياتها، وسمح لإدارة الجامعات أن تتلاعب بممثلي الحركة الطلابية وتمنح الشرعية وتسحبها تبعاً لأهوائها ورغباتها.

لقد شكل النصر الأخير في جامعة الأزهر لحظة مهمة في تاريخ الحركة الطلابية في قطاع غزة، وإن لم يكن الأول من نوعه عبر تاريخ نضالاتها، إلا أن حجمه وآليات العمل التي جمعت كافة مركبات الحركة الطلابية وصولاً للحظة الأخيرة، ومواجهة كلا الخصمين: إدارة الجامعة والأجهزة الأمنية، وإجبار الجامعة على التراجع، بعد أكثر من 12 عاماً على عقد آخر انتخابات طلابية، وتحديداً في الوقت الذي يستعاد فيه دور الحراكات الشعبية في مواجهة الاحتلال وضمن مسيرات العودة على طول حدود القطاع،  كل ذلك يمنح هذا الحراك فرادة وميزة إضافية.

وفي الوقت ذاته تستعيد الحركة الطلابية الثقة في حضورها ومدى تأثيرها، فإنه يفتح الباب واسعاً أمام التساؤلات حول دمقرطة الأجسام التمثيلية، وأهميتها على طريق النضال المطلبي والوطني.

mohannadbari

ماذا تعرف عن الماسونية ؟

ماذا تعرف عن الماسونية؟ 😁

بمجرد أن يذكر أحدهم لفظة <<ماسونية>> حتى أستعيد فوراً صورة القاعة المغلقة ذات الجدران المطلية بالدهان الأسود، والإضاءة الخافتة، والمائدة الطويلة التي يتحلّق حولها مجموعة من الرجال من ذوي المعاطف الحمراء. وتكشف ضحكة أحدهم الناب الخاص بمصاصي الدماء. ويحمل آخر كأساً من الذهب الخالص بداخله سائل غامق اللون يرجّح أنه من الدم المخلوط بالنبيذ الأحمر. أما مجسم خريطة العالم فينتصب إلى جانب المائدة، الجانب الأيسر بكل تأكيد، وتميزه علامة x باللون الأحمر مرسومة على بعض الدول التي جرى تدميرها.

إذا ما شئت البحث عن هذه الكلمة بواسطة الكتابات العربية أو على الشبكة العنكبوتية باللغة العربية أيضاً، فإنك تجد أنها تعرّف على أنها حركة تجمع أبرز أثرياء العالم الذين يدينون بالديانة اليهودية وهم ملحدون في ذات الوقت، دون أدنى تناقض، طالما أنهم يعادون الخلافة الاسلامية على أية حال. أما الهدف الأخير لهذه الحركة فهو السيطرة على دول العالم وتدمير الدول الاسلامية وتشييد دولة اليهود وصولاً إلى حكم الشيطان!

تقدم جملة التصورات السابقة الماسونية بوصفها مفتاحاً لفهم سيرورة التاريخ والمآلات اللاحقة. فالتاريخ لدى أصحاب هذا التصور، هو صراع أزلي بين مملكتي الحق والشر الخالصين، بعيداً كل البعد عن كل فهم مرتبط بالسياق الاستعماري أو الامبريالية الأمريكية أو غيرها، وفي مجافة جلية مع كل طرح حداثي أو علمي مرتبط بالتجربة. وإذا ما كان الأمر كذلك فإن التصنيف ضرورة حتمية. في المحصلة يجري تصنيف كل قوى الأرض: الاشتراكية والعلمانية والديمقراطية والتنويرية في خانة مملكة الشر الخالص، طالما أنها تعادي حكم الخلافة الدينية على الأرض. وبالتالي يصبح كل فكر محض هراء يتناقض مع مصالح الأمة!

في كتابه عصر الثورة، عرّف المؤرخ إريك هوبزباوم الماسونية بوصفها حركة تنويرية ظهرت في أوروبا في أواخر الفترة التي حكمت فيها الكنيسة الكاثوليكية فرنسا، وحمل أعضاؤها أفكاراً تنويرية وعلمانية تنقلب على الفكر السائد في ذلك الوقت.

على ما يبدو أن السلاطين العثمانيين عندما سمعوا بهذه الحركة واستفسروا عنها، أخبرهم سفراءهم في البلاد الأوروبية أنها حركة تعادي حكم الشريعة الالهية التي تمثلها الكنيسة هناك، ويرفض أعضاؤها المنطق الكاثوليكي في ملاحقة اليهود والعلمانيين، وتطمح لإقامة دول يحكمها التشريع البشري. فقام السلاطين بصياغة التعريف الأهبل الذي جمع في خانة الأعداء كل معادي الدولة العثمانية، وجرى تعميمه عبر الفقهاء والكتبة، وهكذا إلى يومنا هذا.

mohannadbari

إن كل محاولات البشر لعقلنة الوجود فشلت أمام حقيقة الفوضى والموت باعتباره النهاية الحتمية الملازمة للكائن البشري. الأديان وليس الحقيقة المادية، هي التي استطاعت أن تمنح البشر ميكانيزم الدفاع الأكثر فاعلية في مواجهة مرارة المأساة المحلقة كصقر في سماء العمر القصير، وسمحت بتنشيط مخيلتهم لتسبح في عالم الما بعد/ الحياة الروحية الممتدة بعد الموت. ليس مستغربا أن يجنح كبار السن إلى كمر مخاوفهم بالابتهالات، فالعمر قصير، وبالنهاية هم ليسوا فلاسفة! قلة هم الذين استطاعوا عبور هذا النفق حالك الظلمة، وانتقلوا إلى العالم الحاضر الممتد من أصغر الدقائق المكتشفة حتى أكبر المجرات، فانقطعوا عن المابعد أو ظنوا ذلك. لكن سعة العالم الجديد احتوتهم وجعلتهم أكثر حيرة، فالفوضى هي الفوضى وسحابة الضوء التي كانت ترشدهم منذ البداية لم تكن إلا فاتحة لتيه لا يقل عن سابقه، بل ربما يزيد.

mohannadbari

مين لسّا بالبلد؟

تغيّرت مفاهيم الناس عن الهجرة: أُدينت في السابق حين كانت تعني الهروب من تحمّل المسؤوليّة النضاليّة، أمّا اليوم، فأمست تعني البحث عن الذات بعد انسداد الأفق، وصار يُبَرّر لمن يتّخذ قرار الرحيل. تسبق الهجرة الفيزيائيّة هجرة للنفس وشعور بالاغتراب الذاتيّ، ويكون الاغتراب حين يفقد المرء المعاني التي تربطه بمحيطه. محاربة الهجرة بحث في المعنى الاجتماعيّ، أي في الوجود الاجتماعيّ.
مهنّد عاهد

كتبت قبل فترة وجيزة في حسابي على فيسبوك منشورًا سريعًا يقول “مين لسّا في البلد؟” تعبيرًا عن تساؤل لحظيّ وحالة عابرة، لكن ما لم يخطر في بالي إطلاقًا، أنّني سأكتشف المزيد من الأصدقاء الذين رحلوا بهدوء.

تنامت ظاهرة هجرة الشباب الفلسطينيّ في قطاع غزّة، وصارت همًّا عامًّا يلمسه الجميع، حتّى مع عدم توفّر إحصاءات رسميّة توضح أعداد المهاجرين منهم فعليًّا. ما إن تُطرح قضيّة الهجرة حتّى يشتعل الحوار بين معارض بالمطلق ومؤيّد لبحث الشباب عن أفق، مع خفوت الصوت الممانع والداعي إلى البقاء. يبدو أنّ هذا ليس غريبًا في ظلّ الواقع السياسيّ الفلسطينيّ الذي ابتُلينا به، وما جلبه لنا طرفا الانقسام. تُساق المبرّرات، وهي محقّة، إلّا أنّ السؤال الذي يبقى يلوح في الأفق: هل الهجرة هي الحلّ؟

منذ بلغت الثامنة عشرة من عمري، وصرت مؤهّلًا، وفق القانون، للمشاركة بصوتي في العمليّة الانتخابيّة، وهو ما كان طموحًا لي ولكلّ أبناء جيلي، لم تُنَظّم انتخابات واحدة، ولا حتّى طلّابّية في الجامعة، وهذه صارت سمة المرحلة. كان عليّ أن أنتظر حتّى عام 2011.

في الخامس عشر من آذار عام 2011، خرج الشباب الفلسطينيّ إلى الشوارع في قطاع غزّة والضفّة الغربيّة، على السواء، ورفعوا شعار إنهاء الانقسام، ودعوا الطرفين المنقسمين للعودة إلى الشرعيّة الديمقراطيّة، إلّا أنّ المحاولة التي استعادت حضور الشعب، ولو لوهلة، وألهبت المشاعر بعد أن نزل الآلاف إلى الشوارع، لم تتح لها الفرصة كي تنمو وتزهر، بل عملت القوى الأمنيّة المنقسمة، مجتمعة، على كبحها، ومحاولة خنقها في مهدها، وهذا لن يكون غريبًا على المنقسمين.

أذكر جيّدًا كيف لاحقنا رجال الأمن من ذوي الوجوه العابسة، بعصيّهم الغليظة، بين الزقاق والآخر، وكيف اعتقلوا وعذّبوا من وقع تحت أيديهم. بعدها لم تخلُ جلسة مع الأصدقاء من مناقشة حالة الإحباط والاغتراب التي يعيشها كلّ واحد منّا، والهجرة باعتبارها سبيل الوصول إلى عالم الحرّيّات والديمقراطيّة.

العدوان الإسرائيليّ الأخير كان نقطة تحوّل فارقة، فبعد أن امتلأت المدارس بالمهجّرين من ديارهم قصرًا، صار لزامًا على الشباب أن يأخذوا زمام المبادرة. تطوّعت بصحبة مجموعة من الشبّان في أحد هذه الملاجئ، وهو مدرسة تديرها وكالة الغوث في مخيّم الشاطئ للّاجئين الفلسطينيّين، وكانت مهمّة الفريق التخفيف عن الأطفال قدر المستطاع، بأن نمنحهم لحظة فرح وسط ركام المباني ورائحة الموت المنبعثة من كلّ جانب. في إحدى المرّات، حاولت عبثًا إلهاء الأطفال حولي عن صوت الطيران الحربيّ، وطلبت إليهم أن يطلقوا صرخة واحدة. ارتسمت الضحكات على الوجوه حين مالت الكفّة إلى جانبهم، فتفوّقت صرخاتهم على صوت الموت المحلّق. إلّا أنّ طائرة حربيّة حسمت النزال أخيرًا بصاروخ دوّى في مكان ليس ببعيد، فانقلبت معه صرخات الأطفال إلى نحيب وبكاء. في لحظة الانفجار شعرت كم هو الإنسان بلا قيمة، ونظرت نحو السماء متتبّعًا المكان الذي تصاعدت منه الأغبرة والدخان، ظننت أنّني في حلم. أيقظتني صيحات الأطفال الباحثين عن أمّهاتهم وسط الزحام. تسمّرت مكاني لا أعرف وجهة أذهب نحوها، فأنا أقف داخل ملجأ المؤسّسة الدوليّة الأكثر أمنًا وسط هذا الجنون! ليس ثمّة مكان آمن، حتّى الملاجئ صارت أسماء محفورة في الذاكرة، بين قوائم المجازر الإسرائيليّة. وسط هذا الفزع شاهدت كيف كان الآباء حيرى يكتمون غضبهم وآلامهم، حين أدركوا أنّهم ما عادوا قادرين على وهب الحماية لأطفالهم.

لفتني قدر التفاعل مع منشوري السريع الذي كتبت، وكأنّ الجميع اتّفق على العزم على الرحيل، غير أنّ الذي شدّني أكثر من غيره، أنّني اكتشفت أصدقاءً كثرًا رحلوا بهدوء.

لؤي، صديق مثابر وطموح، قرّر، سابقًا، ألّا يغادر البلد وأن يبقى في المنزل الذي يحفظ رائحة والده الراحل. لم يكن ثوريًّا ليرفع شعارًا من نوع: “النضال من الداخل”، لكنّه يحبّ غزّة وميناءها البحريّ الذي جمعتنا فيه أطيب السهرات، وفي كلّ مرّة يدور النقاش حول الهجرة، كان يسأل سؤاله المعتاد: “وين رح تلاقي مفتول زاكي بأوروبّا؟” بعد أن أنهى دراسته الجامعيّة عمل في مخبز بعشرين شيقل يوميًّا، أي خمسة دولارات، وحين ضرب معه الحظّ، كما كان يقول، التحق في بطالة لثلاثة أشهر مع إحدى المؤسّسات، كان سعيدًا أنّه عمل بتخصّص قريب إلى تخصّصه الجامعيّ هذه المرّة، لكنّه لم يكن محظوظًا، كما كثيرين في غزّة، وانتهى عقد عمله، ولم يجد سبيلًا إلى التجديد. انقطعت أخباره، وجاء ليعلّق على الحالة التي ذكرتها أعلاه، وأعلن أنّه ترك قلبه في غزّة، وصار “برّا” في دول الشمال الغنيّ، في القارّة العجوز.

أمّا ميّ، الصديقة التقدّميّة، التي كانت تحدّثني عن الصمود في ما تبقّى من أرض فلسطين، غادرت هي الأخرى! حدث ذات مرّة أن كانت تتنزّه مع بعض الأصدقاء على شاطئ البحر، المنفذ الذي يكاد يكون الوحيد في غزّة، حين اعتقلت عناصر الشرطة المجموعة، واعتدت عليهم بالألفاظ النابية والضرب المبرح، واتّهمتهم بالاختلاط في مكان عام! التهمة التي لم تعد غريبة بعد ذلك! خرجت ميّ من التجربة مختلفة كلّيًّا. اليوم، غادرت البلد، كما لم يبقَ من أصدقائها من يحدّث بالقصّة، فقد توزّعوا في بلدان العالم: بعضهم ترك غزّة منذ وقت طويل، وبعضهم الآخر تركها قبل أشهر قليلة.

تكرّرت القصّة مرارًا مع آخرين، وبأشكال مختلفة، ومن واجه قسوة رجل الأمن المتزمّت، كان مصيره شبيهًا تمامًا.

تغيّرت مفاهيم الناس عن الهجرة: أُدينت في السابق حين كانت تعني الهروب من تحمّل المسؤوليّة النضاليّة، أمّا اليوم، فأمست تعني البحث عن الذات بعد انسداد الأفق، وصار يُبَرّر لمن يتّخذ قرار الرحيل. تسبق الهجرة الفيزيائيّة هجرة للنفس وشعور بالاغتراب الذاتيّ، ويكون الاغتراب حين يفقد المرء المعاني التي تربطه بمحيطه. محاربة الهجرة بحث في المعنى الاجتماعيّ، أي في الوجود الاجتماعيّ.

كلّ مرّة تذكر وسائل الإعلام أعداد المهاجرين المفقودين في بحر المتوسّط، أشعر أنّ جزءًا من الحقيقة قد غاب، فهم ليسوا أرقامًا صمّاء، بل قصص من لحم ودم، كلّ واحدة منها تحمل صنوفًا متنوّعة من الوجع ومرارة الحياة، ولا تخلو من أمل.

هل الهجرة هي الحلّ؟ إنّ هذا يتنافى مع ميل الناس الطبيعيّ نحو تأكيد حضور الذاتيّ عبر الجماعة الوطنيّة. في الماضي، أطلق الفلسطينيّون منظّماتهم الكفاحيّة التي مثّلت تطلّعاتهم، فأعادوا للذات الجمعيّة مكانتها وأعطوا للوجود معنى. اليوم، بعد تراجع القوى الممثّلة لطموح الناس، وتماهي المعنى مع اللا معنى، فإنّ المهمّة الملقاة على عاتق الشباب تكمن في القدرة على الخروج من حالة الإحباط واستعادة زمام المبادرة والفعل.

كانت تجربة الخامس عشر من آذار عام 2011 بارقة أمل لجيلنا، أمّا اليوم، فأسئلة البقاء أو الرحيل عن البلد باتت أثقل من أيّ وقت مضى.

مقال منشور في موقع فسحة بتاريخ 31/12/2016:http://www.arab48.com/فسحة/ورق/آخر/2016/12/31/مين-لسا-بالبلد

mohannadbari

انتخابات المجالس البلدية.. هروب للأمام

انتخابات المجالس البلدية.. هروب للأمام
مهند عاهد

أعلنت حكومة الوفاق الوطني في 21 حزيران/ يونيو الماضي، عزمها إجراء انتخابات المجالس المحلية في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول المقبل. وكان رد حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة، إيجابياً.
الفصائل الفلسطينية الأخرى رحبت بدورها بالقرار واعتبرته خطوة صحيحة على طريق تحقيق المصالحة الفلسطينية. يذكر أن انتخابات البلدية جرت في الضفة الغربية منفردة في العام 2012، بعد أن رفضت حركة حماس إجراءها في غزة بدعوى غياب التوافق الوطني.
أغلقت مراكز تسجيل الناخبين مقارها، في الساعة الرابعة من مساء يوم الأربعاء الموافق 27 /7/ 2014، حيث وصلت نسبة المسجلين 89.8٪‏، 76.8 ٪‏ في غزة والضفة الغربية على التوالي، من الذين يملكون حق الاقتراع. وهي نسبة كبيرة تعكس مدى حرص الفلسطينيين على متابعة قضايا الشأن العام. ويبلغ عدد المجالس البلدية والقروية في قطاع غزة والضفة الغربية 416 مجلساً، منها 25 مجلساً في قطاع غزة.
وفي استطلاع للرأي أجراه مركز العالم العربي للبحوث والتنمية “أوراد”، نفّذ في 21 تموز/يوليو 2016، بينت نتائجه أن 54٪‏ من سكان الضفة “هائمة” تبحث عن قائمة مقنعة تصوت لها. فبقدر ما تشير هذه النسبة إلى اهتزاز الثقة الشعبية في الأطر السياسية التقليدية، فإنها تفتح الأفق أمام هذا الجميع لتقديم خيارات جديدة يمكن أن تلبي رغبات الناس وبالتالي تستحوذ على أصواتهم.
مع توقيع جميع الحركات والأحزاب الفلسطينية “وثيقة الشرف”، زالت الكثير من الشكوك التي أبداها السياسيون والمواطنون على حد سواء، والمتعلقة بموعد عقد الانتخابات البلدية في مناطق حكم السلطة الفلسطينية.
وقد تضمن الميثاق 24 بنداً، نص فيها على احترام الفصائل لقانون الانتخابات والحريات العامة، وضمان سير الانتخابات بالشكل المناسب واحترام نتائجها. وانعكست الأجواء الإيجابية بالتصريحات التي أطلقتها الفصائل والتي عبّرت عن حجم الارتياح لما آل إليه التوافق.
حري بالذكر أن لجنة الانتخابات رعت ميثاق شرف مشابهاً بين الفصائل الفلسطينية إبان الانتخابات التشريعية الأخيرة عام 2006.

حماس .. الرابح الأكبر
فاجأت حركة حماس الجميع بموافقتها على عقد الانتخابات المحلية في كل من غزة والضفة الغربية، وفي بيان صادر عنها أكدت الحركة على أهمية المشاركة في إجراء الانتخابات المحلية، وأنها ستعمل على إنجاح الانتخابات وتسهيل إجرائها على أساس توفير ضمانات النزاهة وتكافؤ الفرص واحترام نتائجها، كما أكدت على أهمية العملية الديمقراطية الفلسطينية من خلال إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني الفلسطيني.
وفي مداخلة له، خلال جلسة حوارية نظمها مركز د. حيدر عبد الشافي للثقافة والتنمية، بغزة، بعنوان “انتخابات المجالس المحلية بين الضرورات والتحفظات”، قال القيادي في حركة حماس، سامي أبو زهري، إن سبب تأخر رد حركته هو انتظار الإيضاحات على بعض الاستفسارات والتعهد بضمان احترام النتائج التي ستفسر عنها الانتخابات.
وفي نفس الصدد رأى المحلل السياسي، طلال عوكل، أن حماس رابحة في كل الأحوال، بل هي الرابحة في كل الأحوال ذلك أن النتائج مهما كانت فإنها لن تمس أو تنال من سيطرتها على قطاع غزة.

اليسار .. قائمة موحدة للانتخابات
كشف عضو اللجنة المركزية العامة للجبهة الشعبية، ومسؤول فرعها في قطاع غزة، جميل مزهر، أن القوى الديمقراطية الخمس (الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وحزب الشعب وحزب فدا والمبادرة الوطنية الفلسطينية) بصدد تشكيل قائمة موحدة للدخول في الانتخابات البلدية.
وأضاف: “الجبهة كانت الأكثر نداءً للانتخابات التشريعية والرئاسية والنقابية والطلابية، فالانتخابات ضرورة وطنية واستحقاق دستوري، وهي خطوة قد تمهد الطريق نحو تحقيق المصالحة الفلسطينية”.
وأكد أن الهدف من هذه القائمة هو كسر حالة الاستقطاب الحاد وثنائية حماس وفتح، وتأسيس “تيار ثالث”، وخلق نوع من التوازن في الساحة الفلسطينية.
ولفت إلى “أن الفصائل تقوم ببحث بنك أسماء الكفاءات المهنية والتقدمية المطروحة، وأن الأيام القادمة ستشهد الإعلان عنها”، في حين يعتقد البعض أن نسبة 8٪‏ للحسم في القائمة الواحدة، هي التي فرضت على الفصائل الديمقراطية التوجه نحو القائمة الموحدة، وخشيتها من عدم القدرة على حصد المقاعد إذا ما كانت مشتتة.

فتح والخيارات الصعبة
منذ اللحظات الأولى على إصدار حكومة الوفاق الوطني قرار الانتخابات البلدية، دارت التساؤلات حول قدرة فتح على النزول بقائمة واحدة، ومنافسة حركة حماس. فـ “فتح” يراها البعض في أسوأ أحوالها بعد انسداد الأفق أمام مشروع المفاوضات الذي تحمله، بالإضافة إلى عجز الحركة عن عقد مؤتمرها السابع. كذلك الأمر بعد الخلاف الذي نشب بين قطبي الحركة (محمد دحلان ومحمود عباس)، ووصل بمركزية الحركة الحال إلى إصدار قرار فصل بحق دحلان وتحويله إلى النائب العام.
الناطق باسم حركة فتح، فايز أبو عطية، في ندوة نظمها مركز الدكتور حيدر عبد الشافي، قال إن حركته ستشارك في الانتخابات انطلاقاً من إيمانها بأهمية عقد الانتخابات الديمقراطية، وبأن الحركة ستخوض الانتخابات في قائمة واحدة.
في حين قال القيادي المفصول من حركة فتح، محمد دحلان، عبر فيديو نشره عبر صفحته على الفيسبوك، إن الانتخابات البلدية فرصة لتستعيد حركة فتح مكانتها وقوتها ووحدتها وإنه سيلتزم بقوائم الحركة ما دامت هذه القوائم قائمة على أسس من “المشاركة الفتحاوية” من الكادر لاختيار من يمثلهم.
من جانبه، علّق الناشط الشبابي محمد نتيل، 26 عاماً، أن “الانقسام داخل الحركة ستكون له آثار كارثية، وفقط بالوحدة يمكن المنافسة وتحقيق الفوز في الانتخابات”.
وفي سياق التنافس بين التنظيمين الأكبر، حماس وفتح، يرى المحلل السياسي، أكرم عطا الله، أن حماس “وضعت حركة فتح أمام خيارات صعبة، إما أن تفوز وتشارك في عبء القطاع المحاصر وتتحمل إلى جانبها جزءاً من الأزمة، وإما أن تتهرب من الانتخابات أو تقرر الهروب والخسارة بإرادتها كما حركة حماس”.

المرأة الفلسطينية في مواجهة ثقافة الإقصاء
يضع النظام الانتخابي الحالي الذي أقرته لجنة الانتخابات المركزية، نسبة 20٪‏ حداً أدنى لتمثيل المرأة في المجالس المحلية.
وبحسب قانون “الكوتا” تتوزع مقاعد القائمة الواحدة على الشكل التالي: مقعد للمرأة في أول أربعة مقاعد، ومقعد آخر في المقاعد الخمسة التالية، ومقعد ثالث في المقاعد الستة التالية، وهكذا.
وبالرغم من إبداء العديد من الناشطات النسويات الرضى والقبول بهذا القانون إلا أن هناك من اعتبرنه يمنح الفرصة لبعض القوائم كي تضع المرأة في “ذيل” القائمة.
وفي لقاء مع رانيا السلطان، منسقة مشروع “إحنا معك إنت تقدري” المنفذ من قبل اتحاد لجان المرأة الفلسطينية بالشراكة مع لجنة الانتخابات المركزية، قالت: “لا توجد ثقة بقوائم الأحزاب الفلسطينية، لأنها لا تؤمن بدور المرأة ولا بحقوقها، حيث لا يتم اختيار المرشحين على أساس الكفاءة”.
وتضيف السلطان:” إن النساء بحاجة إلى قائمة تعبر عن طموحاتهن للوصول إلى مواقع صنع القرار، وتسمح لهن بطرح همومهن وتسليط الضوء على قضايا المرأة الفلسطينية”. وجدير بالذكر أنه عقد قبل عدة أيام اجتماع للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، وجرى طرح قضية القائمة النسوية. وعلى الرغم من أنه لم يتم التوافق عليها وإقرارها حتى اللحظة، مع ذلك تعتقد السلطان، أن قائمة المرأة إذا كتب لها أن تكون، ستواجه العديد من الصعوبات في المنافسة أمام الثقافة التقليدية السائدة.

الشباب بين الأمل وغياب الرؤية
تباينت آراء الشباب الفلسطيني بين المؤيدة للمشاركة في الانتخابات البلدية والنزول بقائمة شبابية تمثلهم، وبين طرف ثان يؤيد المشاركة في الانتخابات ويدعم الأحزاب السياسية والقوائم المرتبطة فيها، وبين آخرين ينتظرون أن تكشف الأيام القادمة عن البرامج الانتخابية، التي ستحدد ما إذا كانوا سيشاركون أم لا. بعض الناشطين من الشباب بدأوا جدياً بالتحرك والتواصل بهدف بناء قوائم تمثلهم وتعبّر عن تطلعاتهم.
الناشط الشبابي، سعيد لولو، 29 عاماً، أخبرنا أنه: “لا توجد كوتا تنصف الشباب وحقوقهم، وتضمن لهم تمثيلاً في مواقع صنع القرار، نحن نعاني التهميش في قوائم كبار السن، ولا نثق في الفصائل الفلسطينية بعد هذه التجربة المريرة، لذلك ارتأينا النزول بقائمة شبابية على مستوى قطاع غزة، ونحن نعمل الآن على بلورة طرحها. والنقطة الأهم أن قائمتنا ستكون بدون أجندة سياسية”.
من جهتها، الشابة لبنى زين الدين، 25 عاماً، قالت: “إذا ما صدقت الفصائل وسمحت بإجراء الانتخابات، ستكون هذه المرة الأولى لي التي أشارك فيها. وهو حق حرمت منه”. أما عن الجهة التي ستمنحها صوتها، فتقول: “سأصوت لقائمة الشباب، لأن الشباب لديهم الكفاءة والقدرة على قيادة المجالس البلدية وحتى التشريعية، ويمتلكون رؤى جديدة للوضع القائم تهدف إلى تغيير الواقع الحالي الذي نتوق إلى تغييره”.
أما الشاب خالد شهاب، 24 عاماً، فكان متشائماً إزاء الأمر، حيث قال: “لا أثق في الحركات السياسية الفلسطينية ولا في الحركات الشبابية، لأن الأولى سبب الكارثة التي نعيشها، والثانية لا تمتلك رؤية عملية لتجاوز الحال”.
يذكر أن قانون الانتخابات يضع حداً أدنى لمرشح انتخابات المجالس البلدية، 25 عاماً فما فوق.

 

مقال منشور في موقع العربي الجديد بتاريخ 6/8/2016

mohannadbari

العقل زينة!

تخيلوا معي أيها الأصدقاء ما الذي حدث بالأمس بينما كنت جالساً في المقعد الأمامي داخل سيارة أجرة بجوار السائق، والذي تبدو عليه علامات التدين، وذلك عندما كان صوت رجل في المذياع يحكي القصة التالية: “عاش رجل فقير في منزل غاية في البؤس، وكان المنزل ” ينغل” -موضحاً أن هذه الكلمة غزاوية- بالفئران، وفي أحد الأيام ضجر أحد أصدقاء صاحب المنزل من ذلك، فعرض عليه أن يأتي بقطة شرسة تلاحق تلك الفئران وتنظف المنزل. وعلى الرغم من ان الرجل يحب النظافة إلا أنه رفض ذلك العرض خشية من أن تهرب الفئران إلى منازل جيرانه وتقيم عندهم، فيكون قد آذاهم… حتى نهاية ما قاله. وقد أتبعَ المقدّم بعدها بذكر حديث من السيرة النبوية عن فضل الجار، وكيف يجب أن نتخذ من هذا الرجل نموذجاً يحتذى!”. في تلك اللحظة أطلقت ضحكة لم أقدر على كبحها، فكيف لعاقل أن يصدق مثل هذه القصة؟ ثم التفت إلى جهة السائق وقلت له بالله عليك، هل تصدق هذه القصة؟ عندها نظر إلي وأطلق ضحكة كان يحاول جاهداً إخمادها، وقال “لا والله”. في زحمة الضحك تدخل راكب شاب من الخلف وطلب أن يرفع السائق درجة الصوت، واتبعها باستغفار الله. كانت السيارة قد وصلت إلى مقصدي فنزلت وأنا انظر إلى ذاك الشاب المسكين، ولم استطع أن أكف عن الضحك.

mohannadbari

فقر أم إفقار؟

هناك فرق كبير بين مصطلح “إفقار” الذي يحيل إلى عملية مستمرة يتسيد خلالها فاعل (مفقِر) على مفعول به (مفقَر)، يصبح معها تحديد الداء والدواء ممكناً، وبين مصطلح “فقر” الذي يحيل لنتيجة لا زمانية، هلامية المعالم، لا يمكن الامساك بكنهها، تطرح على كل أذن سؤالاً زائفاً: متى لم يكن الفقر ظاهرة مجتمعية؟! أصبح معها المفقرون يسلمون لهذا القضاء والقدر الذي لا مفر منه، راضيين عن طيب خاطر، بهذه المتلازمة العتيقة:أليس الرزق من عند الله؟ اللهم لا اعتراض! أما رأيهم بطرق المعالجة فتتمثل بالتخفيف من الآثار، مع إغفال الأسئلة الحقيقية عن الفاعلين وشبكاتهم من جهة، ومن جهة ثانية عن آليات نهبهم واستمرارهم حتى يومنا هذا. ولا تبرح الهوة تتسع وتتعمق إلى أن وصلنا إلي وضع بائس ومقيت أصبح معه خُمس سكان العالم ينعم بأربع أخماس موارد العالم، في الوقت الذي يعيش فيه أربع أخماس العالم على خمس الموارد